الشوكاني
186
فتح القدير
عن قتادة في قوله ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) قال : من الشجر ومن غيرها ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) قال : غارات يسكن فيها ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) قال : من القطن والكتان والصوف ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) من الحديد ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم . وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( سرابيل تقيكم الحر ) قال : يعنى الثياب . ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) قال : يعنى الدروع والسلاح ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) يعنى من الجراحات وكان ابن عباس يقرؤها تسلمون كما قدمنا ، وإسناده ضعيف . سورة النحل الآية ( 84 - 90 ) لما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها ، وأن أكثرهم كافرون أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة ، فقال ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ) أي واذكر يوم نبعث . أو يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه ، وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق ، وعليهم بالكفر والجحود والتكذيب ( ثم لا يؤذن للذين كفورا ) أي في الاعتذار ، إذ لا حجة لهم ولا عذر كقوله سبحانه - ولا يؤذن لهم فيعتذرون - أو في كثرة الكلام . أو في الرجوع إلى دار الدنيا ، وإيراد ثم ها هنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبئ عن الإقناط الكلى أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء ( ولا هم يستعتبون ) لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضا ، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب . والمعنى : أنهم لا يسترضون : أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم . لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون ، وأصل الكلمة من العتب وهو الموجد ، يقال عتب عليه يعتب : إذا وجد عليه ، فإذا أفاض عليه ما عتب فيه عليه قيل عاتبه ، فإذا رجع إلى مسرته قيل أعتبه ، والاسم العتبي ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب قاله الهروي ، ومنه قول النابغة : فان كنت مظلوما فعبدا ظلمته * وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب